منهجيات حوكمة الرشد الإنساني في القرآن الكريم

أولا: منهجية إيجاد دافع في الحياة وتعلم معايير لحوكمة هذا المسار

ينبغي على كل إنسان – سواء كان مؤمنا بالله أو ملحدا – أن يجد سببا نافعا إيجابيا لوجوده في الحياة وأن يقتنع أنه لم يأت الحياة عبثا أو لمجرد أن يعبث فيها: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) المؤمنون. والا فان هذا الإنسان لم يبلغ رشده الإنساني بعد. ولكيلا تكون الحياة عبثا – على مستوى الإنسان والمجتمع والإنسانية ككل- فعلى كل إنسان ومجتمع أن يحاول اكتشاف مهمته النافعة في الحياة التي هيأها له الله – إن كان مؤمنا – أو هيئتها له الظروف ان كان ملحدا – وهيأتها له مجمل ما أوتى من مواهب وإمكانات ومعارف وعلوم ونقاط قوة في شخصيته. ومن ثم محاولة اكتشاف القيمة المضافة التي يمكنها أن يقدمها لغيره أو في الأرض خلال حياته، والتي سوف تشكل دافعا له لاستمرار حياته وحتى الممات. ويشكل هذا الدافع الأساس الذي يتخير على محاذاته مسارا محددا لحياته، وليقيم داخل هذا المسار قواعد محددة للمفاهيم والقيم التي يقيد نفسه بها ويحدد مكونات هذا العالم الذى يعيشه ونوع العلاقات التي تمكنه من التواصل والتكامل الإيجابي معها، ويحدد الأعمال التي يريد أن ينجزها في حياته والأهداف والنتائج التي يريد تحقيقها أو يتركها أثرا له في الحياة بعد مماته.

إذا لم تشمل تلك الدوافع مبدأ الإصلاح والعمارة في الأرض والتحسين من ظروفه وظروف الناس من حوله والانتماء إلى مجتمعه ووطنه وأسرة بنى آدم التي أتت به لهذه الدنيا فان ذلك الإنسان لم يبلغ رشده الإنساني بعد وإنما هو إنسان ضال مسخوط في ظنيه ضآلة دوره العبثي في الفساد في الأرض فتجده مغمورا في مستنقع متعته ومصلحته الشخصية والتي لا يأبه في سبيل تحقيقها أن يلحق الضرر بالآخرين كصناع السلاح الذين يشعلون الحروب المصطنعة بالفتن لتشغيل مصانع وتجارة السلاح التي يعملون فيها، وهؤلاء هو أهل الشر والفساد في الأرض. وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) الإسراء 

ومن أهل الشر أيضا من يفجر نفسه ليقتل عشرات أو مئات الناس ظنا منه أن سيدخل بذلك الجنة وحده ويدخل هؤلاء المؤمنين الذين قتلهم في النار: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93) النساء. ولو كان قد علم ذلك الأبله انه بهذا الجرم الذي ارتكبه قد جلب علي نفسه لعنا من الله وغضبا وخلودا في عذاب جهنم ما فعل فعلته تلك. ذلك لأنه لم يكن له أي دافع إصلاحي يعيش من أجله , بل كان دافعه وهمه الوحيد هو إدخال نفسه الدنيئة في الجنة بأن يملأ الأرض فسادا – حسب ظنه الجهول – ولو كان قد تعلم في الجامع أو في المدرسة أن الله لن يدخله جنته أبدا لأنه لا يحب المفسدين ولا يحب الفساد وخاصة من الذين يتشدقون بالكلام الديني الذى قد يعجب بعض الناس:

  • وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205)  البقرة.

  • وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ  (64) المائدة.

ولذلك فان الخطوة الثانية للإنسان الذى وجد مهمته ودوافعه الإيجابية في الحياة هي أن يتعلم المعرفة العقلانية – من كتب الفلسفة أو الدين أو الحكمة – أين يجد مسارات الحياة التي يجب ألا يخرج عنها وأين يجد معايير الصواب والخطأ ومعايير المفاهيم والقيم والوسائل التى تحقق دوافعه الإصلاحية حتى لا ينقلب عدوا لنفسه وعدوا للعالم من حوله اذا هو خرج عن مسار الإصلاح إلى مسار الفساد والمفسدين سواء بجهل منه أو بجهل من قاده لذلك. والمعرفة العقلانية تكتسب بالقراءة والتفكر والتدبر ولانفعال السمعي والبصرى لما يجرى من حولك في العالم , وهى غير المعرفة العلمية التي تتطلب التخصص في المعامل التجريبية لدراسة ظواهر الطبيعة والكيمياء وما شابه من علوم تجريبية متخصصة.

والفرق بين المعرفة العقلانية والمعرفة غير العقلانية في القدرة على تبين ما في مصادر تلك المعرفة من رشد وغى وتبين ما بها صواب وخطأ وفى مدى مشروعية أصولها وفى مدى عقلانية نتائجها التي تدعو اليها.

ومن هنا يتأكد أن تقييم وتصحيح مفاهيم ومسارات الإنسان والمجتمعات يبدأ من تقييم دورهم دوافعهم فى الحياة أولا, ثم بعد ذلك يأتى تقييم المفاهيم التي بينت لهم الصالح من الفاسد والصواب من الخطأ , ثم تقييم مشروعية أصول ومصادر مرجعياتهم الفكرية أو الدينية أو الفلسفية أو السياسية التي وصلت بهم الى ما هم عليه.

ولذلك فان الدوافع الإصلاحية وما يتبعها من مسارات وقيم ومفاهيم يجب غرسها في جميع وحدات بناء الإنسان والمجتمعات بدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة الى الجامع والكنيسة والمعبد والحزب والبرلمان ونظم حوكمة الدولة ، وأيضا يجب أن تكون فى كتب الفلسفة والفكر وفى أعمال الإبداع والفن وفى معاهد ومعامل العلم.

نرحب بمشاركتكم

Visits: 2759

اترك تعليقاً

Scroll to Top