كيف تفرق بين العلم والمعرفة؟

يعرف العلم – في أي مجال – انه عبارة عن منهجية عمل تبنى على مجموعة من الحقائق المطلقة والمجردة التي لا ترتبط بأشخاص ولا بزمان ولا بمكان. أما المعرفة فهي احاطة شخص ما بحقيقة ما أو بنبأ ما أو بحدث ما قد حدث أو سوف يحدث, أو بمنهجية حياتية أو علمية أو بكل ذلك مجتمعين. فتلك “المعرفة” فى الواقع منسوبة الى شخص وليست شيئا مجردا قائما بذاته, وبالتالي فالمعرفة تتغير من شخص الى آخر كما تتغير قيمتها وأهميتها حسب تغير المكان والزمان. أما العلم فهو مطلق ومجرد وثابت فى كل الظروف والأماكن والأزمان, وإن كان يتوسع بدون تغيير فى  أصوله. وذلك هو مكمن الفرق الأكبر بين العلم وبين المعرفة. والعلم والمعرفة قابلين للتعلم والتعليم لأى إنسان عاقل. ”   ولذلك فالعارف أرشد من العالم في حدود ما يعرف من متغيرات قد لا يعلمها “العالم” الذى يقف دائما عند حدود الثوابت العلمية المجردة الموثقة فى كتب العلم. كما أن العارف قد يلاحظ أو يحيط علما بحقيقة لم يوثقها العلم بعد فى ثوابته, ومثال ذلك ما عرفه جاليليو – من خلال تلسكوبه الذي صنعه بيديه – من حقيقة دوران الأرض ومركزية الشمس قبل أن توثق  كحقيقة علمية ثابتة فيما بعد. ومعنى ذلك أن المعرفة قد تفتح الأبواب لعلوم لم يعلمها الإنسان بعد, أو لحقائق يقر العلماء أنها خارج نطاق القدرة الادراكية المحدودة للإنسان مثل حقائق وسع السماوات وما فيها من  قوى هائلة تحرك المجرات والنجوم والكواكب والأقمار بتوازن مستدام لملايين السنين, وكذلك حقائق نشأة الخلق والموت والبعث. 

ومعرفة الإنسان بشيء تنشأ عليه مسؤولية نحو ما يتوجب عليه فعله إزاء تحصيله لتلك المعرفة. فمثلا المعرفة  ابإنذار أو بيان أو بلاغ يأتيك على يد “جهة قانونية” ينشأ عليك مسؤولية بالعمل تجاه محتواها, وإذا تجاهلت ما فيه فقد تواجه عواقب وخيمة عند سؤالك عنها. ولذلك سيسألنا الله يوم القيامة عن عدم الإحاطة علما بالحقائق والبلاغات والإنذارات التي أرسلها لنا في كتب التوراة والإنجيل والقرآن مع رسله, ويسألنا لماذا لم نعمل بها. اقرأ: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (84)” النمل. واقرأ” هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) آل عمران. واقرأ: هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَاب (52) إبراهيم. ومن تدبر الآيات بعاليه نعرف أن آيات الله التى أنزلها فى كتبه فيها هدى عن الغيب الذى لا يعلمونه, وفيها بلاغ بإنذار عما سيحدث  يوم القيامة. وما كل ذلك الا معرفة  بحقائق وأحداث – لمن آمن بصدق هذا الغيب – لم ولن يصل اليها العلم البشرى,  ليس فقط لأن تلك الحقائق تقع خارج نطاق القدرة الادراكية المحدودة للإنسان ولكن لأن أحداث يوم القيامة لم تحدث بعد حتى يرصدها العلماء, ولذلك فهذا هو من علوم “الغيب” التى لا يعلمها إلا الله, فأرسل بقدر منها رسله ليتعلم الناس المعرفة الضرورية التى ترشدهم فى حياتهم واخراهم. 

وتحصيل المعرفة يتم في الواقع بمجرد سماع حقائقها بواسطة اى إنسان عاقل ولا يتطلب ذلك أن يكون الإنسان عالما متخصصا فى أى علم. ومن هنا ندرك حقيقة غائبة (أو بالأحرى مغيبة) عن معظم الناس وهى أن المعرفة برسالات الله التي أرسلت للناس هى مسؤولية كل إنسان عاقل له سمع وبصر وليس مسؤولية علماء الدين. ولذلك ترى أن الله قد أمر من يبحث عن حقائق دين الله أن يسأل “أهل الذكر” وليس “أهل العلم”. اقرأ: “وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) النحل. والسبب أن أهل الذكر هم من عرفوا (أو أحاطوا علما ب) رسالات الله الموثقة فى كتب الذكر المنزله كالتوراة والانجيل والقرآن, وعرفوا كيف يبينوا للناس الرابط بين ما يسألون عنه من متغيرات الحياة وبين ما نزل من ثوابت الآيات.  أما أهل العلم فى الدين فانهم محصورون في ثوابت العلوم التي تعلموها في المعاهد الدينية الأكاديمية فأصبحوا معزولين عن كتب الذكر التي أنزلها الله. والفرق بين كتب الذكر التي أنزلها الله مع رسله وبين كتب العلوم الدينية التي تدرس فى المعاهد الدينية هو الفرق بين علم الله المنزل برحمة تجمع الناس جميعا فى دينه الواحد، وبين المفاهيم التي ألفها شيوخ ورهبان وأحبار الملل المختلفة، وكل ملة تدعى أنها الحق وتكفر غيرها, فأقاموا حروبا وكراهية متبادلة بين البشر لن تنتهى الى الأبد.  وفى هذا الرابط نعرف الفرق بين العلم والمفاهيم .

أضف الى ذلك أن كتب الذكر هى المصدر الوحيد الذي عينه الله “علما” فى ثلاثة أمور وهى:  بينات الدين وشريعة الأحكام وأمر الله بحصر مرجعية الاتباع عليها, وذلك طبقا للآيات التالية:  “وَآَتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُون (18) الجاثية.